فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

الدبر ، ويول ذاك ويول الآخر أي كل واحد يولي دبره ، وأما الفرق فنقول اقتضاء أواخر الآيات حسن الإفراد ، فقوله : * ( يولون الدبر ) * إفراده إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة ، فلا يتخلف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا في التولية كدبر واحد ، وأما في قوله : * ( فلا تولوهم الأدبار ) * أي كل واحد يوجد به ينبغي أن يثبت ولا يولي دبره ، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره ، فكل أحد منهي عن تولية دبره ، فجعل كل واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله : * ( فلا تولوهم ) * ولا يتم إلا بقوله : * ( الأدبار ) * وكذلك في قوله : * ( ولقد كانوا عاهدوا الله ) * ( الأحزاب : 15 ) أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أولي دبري ، وأما في قوله : * ( ليولن الأدبار ) * ( الحشر : 12 ) فإن المراد المنافقون الذين وعدوا اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى : * ( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ) * ( الحشر : 14 ) ، وأما في هذا الموضع فهم كانوا يداً واحدة على من سواهم . ثم قال تعالى : * ( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) * . إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم في الدنيا من الدبر ، ثم بين ما هو منه على طريقة الإصرار ، هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الإنذار بالساعة عام لكل من تقدم ، كأنه قال : أهلكنا الذين كفروا من قبلك وأصروا وقوم محمد عليه السلام ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام المجازاة بالأليم الدائم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل أحد ؟ نقول : الموعد الزمان الذي فيه الوعد والوعيد والمؤمن موعود بالخير ومأمور بالصبر فلا يقول هو : متى يكون ، بل يفوض الأمر إلى الله ، وأما الكافر فغير مصدق فيقول : متى يكون العذاب ؟ فيقال له : اصبر فإنه آت يوم القيامة ، ولهذا كانوا يقولون : * ( عجل لنا قطنا ) * ( ص : 16 ) وقال : * ( ويستعجلونك بالعذاب ) * ( الحج : 47 ) . المسألة الثانية : أدهى من أي شيء ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : ما مضى من أنواع عذاب الدنيا ثانيهما : أدهى الدواهي فلا داهية مثلها . المسألة الثالثة : ما المراد من قوله : * ( وأمر ) * ؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : هو مبالغة من المر وهو مناسب لقوله تعالى : * ( فذوقوا عذابي ) * ( القمر : 37 ) وقوله : * ( ذوقوا مس سقر ) * ( القمر : 48 ) وعلى هذا فأدهى أي أشد وأمر أي آلم ، والفرق بين الشديد والأليم أن الشديد يكون إشارة إلى أنه لا يطيقه أحد لقوته ولا يدفعه أحد بقوته ، مثاله ضعيف ألقى في ماء يغلبه أو نار لا يقدر على الخلاص منها ، وقوي ألقي في بحر أو نار عظيمة يستويان في الألم ويتساويان في الإيلام لكن يفترقان في الشدة فإن نجاة الضعيف من الماء الضعيف بإعانة معين ممكن ، ونجاة القوي من البحر العظيم غير ممكن ثانيهما : أمر مبالغة